الشيخ عبد الغني النابلسي
402
جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص
فلما رأت السحرة ذلك ، أي عظم ما جاء به موسى عليه السلام من الحق المبين علموا ، أي السحرة رتبة موسى عليه السلام في العلم باللّه تعالى وأن الذي رأوه من عصا موسى عليه السلام وما تلقفه من حبالهم وعصيهم ليس من مقدور ، أي من الأمر الذي تقدر عليه قوّة البشر وإن كان ذلك من مقدور بعض البشر فلا يكون إلا ممن له تمييز ، أي رفعة وشرف في العلم الإلهي المحقق ، أي الكاشف عن حقيقة الأمر البعيد عن التخيل والإيهام ، أي التمويه والزخرفة الباطلة . فآمنوا ، أي السحرة عند ذلك كما قالوا برب العالمين رب موسى وهارون أي الرب الذي يدعو إليه ، أي إلى عبادته وطاعته دون غيره من الأرباب الباطلة موسى وهارون عليهما السلام لعلمهم ، أي السحرة بأن القوم ، أي قوم فرعون الحاضرين يعلمون أنه ، أي موسى عليه السلام ما دعا ، أي طلب الطاعة والانقياد لفرعون وإنما كان يدعو إلى اللّه رب العالمين . ولما كان فرعون في منصب التحكم الظاهر صاحب ذلك الوقت وأنه الخليفة عن الحق تعالى في الأرض بالسيف وإن جار ، أي ظلم وتعدى في العرف ، أي الاصطلاح الناموسي ، أي الشرعي الذي يعرفه موسى عليه السلام ومن تبعه ، لا في عرفه هو ، فإن اللّه تعالى يستخلف في الظاهر المؤمن والكافر والمطيع والعاصي ، ويجعله بحيث ينفذ أمره ونهيه طوعا وكرها في كل ما يريد ، كما قال تعالى عن قوم صالح عليه السلام وهم ثمود : وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ عادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ [ الأعراف : 74 ] وهو كثير في القرآن لذلك ، أي لأجل ما ذكر قال : ، أي فرعون لقومه لما جمعهم كما قال تعالى : فَحَشَرَ فَنادى ( 23 ) فَقالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى ( 24 ) [ النازعات : 24 ] وإن كان الكل من بني آدم أربابا لما تحت أيديهم من الأملاك بنسبة مّا ، فلهم التحكم في أملاكهم فأنا الأعلى منهم ، أي من الأرباب كلهم بما ، أي بسبب الأمر الذي أعطيته بالبناء للمفعول أي اقتضاه مقامي ومنزلتي في الظاهر من التحكم فيكم بحيث ينفذ أمري ونهيي . * * * ولمّا علمت السّحرة صدقه فيما قاله لم ينكروه وأقرّوا له بذلك فقالوا له : فَاقْضِ ما أَنْتَ قاضٍ إِنَّما تَقْضِي هذِهِ الْحَياةَ الدُّنْيا [ طه : 72 ] فالدّولة لك . فصحّ قوله : أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى [ النازعات : 24 ] وإن كان عين الحقّ فالصّورة لفرعون ، فقطّع الأيدي والأرجل وصلب بعين حقّ في صورة باطل لنيل مراتب لا تنال